مجد الدين ابن الأثير

433

المختار من مناقب الأخيار

وقال محمد بن خالد : سمعت أيوب الحمّال يقول : عقدت على نفسي أن لا أمشي غافلا ، ولا أمشي إلا ذاكرا ، فمشيت مشية غفلة فأخذتني عرجة ، فعلمت من أين أتيت ، فبكيت واستغثت وتبت فزالت العرجة ، فرجعت إلى الموضع الذي غفلت فيه ورجعت إلى الذكر فمشيت سليما « 1 » . وقال أحمد بن محمد بن وهب عن بعض أصحابه أنّه حجّ مع أيوب الحمال ، قال : فلما أن ظعنا في البادية ، وسرنا منازل ، إذا عصفور يحوم علينا وحولنا ، فرفع أيّوب رأسه فنظر إليه فقال له : قد جئت إلى ههنا ! ثم أخذ خبزا ففتّه له في كفّه ، فوقع العصفور على يده وجعل يأكل منها ، ثم صب له ماء فشرب ، ثم قال له : اذهب الآن . فطار العصفور ، فلما كان من الغد رجع العصفور ففعل به أيّوب مثل ما فعل في اليوم الأول ، فلم يزل يفعل به كذلك إلى أن انتهى آخر السفر « 2 » . وروي أنّ أحمد بن حنبل خرج ذات يوم إلى شارع باب الشام اشترى دقيقا ، ولم يكن في ذلك الموضع من يحمله ، فوافى أيوب الحمّال ، فحمله ، فدفع إليه أحمد أجرته ، فلما دخل الدار بعد إذنه له اتفق أنّ أهل الدار قد خبزوا ما كان عندهم من الدقيق ، وتركوا الخبز على السرير ينشف ، فرآه أيّوب - وكان يصوم الدهر - فقال أحمد لابنه صالح : ادفع إلى أيوب من الخبر . فدفع إليه رغيفين فردّهما ، قال أحمد : ضعهما . ثم صبر قليلا ثم قال : خذهما فالحقه بهما . فلحقه ، فأخذهما ، فرجع صالح متعجّبا ! فقال له أحمد : عجبت من ردّه وأخذه ؟ قال : نعم . قال : هذا رجل صالح ، فرأى الخبز فاستشرفت نفسه إليه ، فلما أعطيناه مع الاستشراف ردّه ثم أيس ، فرددناه إليه بعد الإياس فقبل .

--> ( 1 ) الحلية 10 / 314 وتاريخ بغداد 7 / 8 . ( 2 ) تاريخ بغداد 7 / 9 والحلية 10 / 313 بنحوه وزاد فيه ما نصه : « ثم قال أيوب : تدري ما قصة هذا العصفور ؟ كان يجيئني في منزلي كل يوم ، فكنت أفعل به ما رأيت ، فلما خرجنا تبعنا يقتضي مني ما كنت أفعل به في المنزل » .